ابن عساكر

328

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

للحاجب : لا يبرح صالح ، وانصرف الناس ، وأذن لي ، وهمتني نفسي ، فدخلت ، وجلست ، فقال : يا صالح ، تقول لي ما دار في نفسك ، أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، ما تأمر به « 1 » ، فقال : دار في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا ، فقلت : أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول : بخلق القرآن ، فورد على قلبي أمر عظيم ، ثم قلت : يا نفس ، هل تموتين قبل أجلك ؟ وهل تموتين إلا مرة واحدة ، وهل يجوز الكذب في جدّ أو هزل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما دار في نفسي إلا ما قلت ، فأطرق مليا ثم قال : ويحك ! اسمع مني ما أقول ، فو اللّه لتسمعنّ الحق ، فسرّي عني ، وقلت : يا سيدي ، ومن أولى بقول الحق منك ، وأنت خليفة رب العالمين « 2 » ، وابن عم سيد المرسلين ؟ فقال : ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرا من أيام الواثق حتى أقدم أحمد بن أبي داود علينا شيخا من أهل الشام ، من أهل أذنة « 3 » مقيدا ، وهو جميل الوجه تام القامة ، حسن الشيبة « 4 » ، فرأيت الواثق قد استحيا منه ، ورق له ، فما زال يدنيه ، ويقرّبه حتى قرب منه ، فسلم الشيخ ، فأحسن ، ودعا ، فأبلغ وأوجز ، فقال له الواثق : اجلس ناظر ابن أبي داود على ما يناظرك عليه ، فقال له الشيخ : يا أمير المؤمنين ، ابن أبي دواد يضوى « 5 » ويضعف عن المناظرة ، فغضب الواثق ، وعاد مكان الرقّة له غضبا عليه ، وقال : أبو عبد اللّه بن أبي دواد يضوى ، ويضعف عن مناظرتك أنت ؟ ! فقال الشيخ : هون عليك يا أمير المؤمنين ، وائذن في مناظرته ، فقال الواثق : ما دعوتك إلا للمناظرة ، فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول ، قال : أفعل . فقال الشيخ : يا أحمد ، أخبرني عن مقالتك هذه ، هي مقالة واجبة ، داخلة في عقدة الدين ، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بما قلت ؟ قال : نعم ، قال الشيخ : يا أحمد ، أخبرني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين بعثه اللّه إلى عباده ، هل سن « 6 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا مما أمره

--> ( 1 ) في سير الأعلام : ما ترى . ( 2 ) كذا في مختصر ابن منظور وسير الأعلام ، ولم يتلقب أي من الصحابة أو الخلفاء بهذا اللقب . ( 3 ) أذنة بلد من الثغور قرب المصيصة مشهور ( معجم البلدان 1 / 133 ) . ( 4 ) في مروج الذهبي : حسن الهيئة . ( 5 ) الضوى : دقة العظم وقلة الجسم خلقة ، أو الهزال ، وأضوى الأمر إذا أضعفه ولم يحكمه ( تاج العروس : ضوى ) وفي مروج الذهب : يقل ويضعف عن المناظرة . ( 6 ) في سير الأعلام : ستر .